الجصاص
22
الفصول في الأصول
كنقلهم شريعة النبي عليه السلام . وقد روى عن النبي عليه السلام : أنه ( رأى في يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه صحيفة فقال : ما هذه فقال : التوراة ، فغضب عليه السلام وقال : ( ( أتهوكون كما تهوكت اليهود والنصارى ؟ لو كان موسى عليه السلام حيا لما وسعه إلا أن يتبعني ) ( 1 ) فهذا يدل : على أن تلك الشريعة لم تكن لازمة لنا ، لولا ذلك لما نهاه عن النظر فيها وعن تعلمها . فإن قيل : إنما نهاه عن ذلك لأن اليهود قد بدلت وغيرت ، فلم يأمن أن نتبع منها ما قد بدلوه . قيل له : لو كان هذا مراده لقاله له ، فلما عدل عن ذكر ذلك إلى قوله : ( لو كان حيا لما وسعه إلا أن يتبعني ) ، دل ذلك : على أن شريعة موسى عليه السلام لم تكن قائمة ثابتة الحكم في ذلك الوقت ، لأنها لو كانت باقية ثابتة لما كان ممنوعا من البقاء عليها ، ما لم يبق عليها ، فهذا الوجه يفسد بما ذكرناه . وبقى الكلام في المقالتين الآخرتين اللتين ذكرنا . فنقول : إن الصحيح أن تلك الشرائع التي لم تنسخ قبل نبينا صارت شريعة لنبينا عليه السلام ، فلزم الناس حينئذ حكمها ، من حيث صارت شريعة للنبي عليه السلام ، لا من حيث كانت شريعة لمن كان قبله . والدليل على صحة ذلك قوله تعالى : ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) ( 2 ) إلى قوله تعالى : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) ( 3 ) وذلك بعد ذكر الأنبياء عليهم السلام وبقوله تعالى : ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ) ( 4 ) وقوله : ( وما جعل